زمردة ـ الحلقة الثالثة

أضيف في يوليو 20, 2009

7
لم تكن “زمردة” ضعيفة أبداً، فلقد نشأت على مبادئ الصبر والإرادة وقوة التحمّل لتكون قادرة على القيام بمسؤوليات الحكم بعد والدها.
لكنها رغم هذا كانت تشعر بالخوف والقلق على مصيرها، فهاهي وحيدة الآن، لا تجد نوراً يضيء طريقها، ولا تعرف سبيلاً محدداً تسلكه.
كانت ضائعة..
أحست بشيء من الندم على قرار الهروب الذي اتخذته ونفذته بسهولة.
تضاعفت مخاوف الفتاة حينما أحست بحركةٍ مريبة حولها، ولمحت عيوناً مُشعّة تحدّق بها، فما كان منها إلا أن أطلقت العنان لفرسها لكي تنطلق مسرعةً في طريقٍ معبّدة ضيقة ومحاطة من جانبيها بأشجارٍ كثيفة.
قطعت الفرس مسافةً قصيرة، قبل أن تتوقف فجأة وتنتفض بعنفٍ شديد فتقذف ب “زمردة” من على صهوتها.
وتسقط الأميرة أرضاً وهي تصرخ متأوهة.
ثم ترفع عينيها لترَ هذا الكائن الذي تسبّب بجموح فرسها.
فإذا به ذئب مخيف يقف متأهباً للإنقضاض عليها وعيناه تومضان بالشرّ!
تراجعت الفرس للخلف، بينما تجمّدت “زمردة” في مكانها!
أصدر الذئب صوتاً مزمجراً فأكّد مخاوفها، عندها سارعت بالقبض على خنجرها الذي حملته بين ثنايا ثوبها لحمايتها من أي خطر.
وعندما انقضّ الذئب عليها، استلّت الخنجر من موضعه وطعنته بشجاعة، فارتمى أرضاً وهو يئن من الألم، بينما اعتلت صهوة فرسها، وانطلقت بها بعيداً عنه.
ظلت الفتاة تتساءل باضطراب:
- يا إلهي! ماذا سأفعل؟!
وأصابها دوار مفاجئ.

8

- سأعطيك دواءً يشفيك مما أصابك خلال أيام.
قال “أسامة” لمريضه الذي وصله في هذه الساعة المتأخرة من الليل:
- لكن عليك أن تعدني بالمواظبة على تناوله في الأوقات التي أحددها لك.
- حسناً.
قال المريض وهو ينهض بمساعدة “ليث”:
- أشكرك سيدي الطبيب.
ربّت على كتفه بلطف، وقال مبتسماً:
- لا شكر على واجب.
إستلم الدواء منه وهو يسأله:
- والآن بكم أُدين لك؟
- ليس لدي سعر محدد.
ردّ “أسامة”:
- إدفع ما تقدر عليه.
فأخرج الرجل دراهماً معدودة من جيبه، وهو يقول:
- هذا كل ما معي.
فابتسم “أسامة” مجدداً، ثم أخذ درهماً واحداً فقط، وهو يقول:
- يكفيني هذا.
وربّت مرةً أخرى على كتف المريض الذي تبسّم وانصرف راضياً، ولسانه لا يكلّ من الدعاء لطبيبه الطيب.
وبعد مغادرته قال “ليث”:
- إذا استمريت على هذا المنوال فأنت ستحتاج قريباً إلى من يتصدق عليك.
فضحك قائلاً:
- إنهم فقراء يا “ليث”، وما يجمعونه من مال بالكاد يكفيهم لإسكات جوعهم.
- ولكنك طبيب ولديك نفقات كثيرة!
- وأنا آخذ ما يكفي لسدّ هذه النفقات.
قال عبارته وهو يُظهر الدرهم الذي أخذه للتو أمام عيني صديقه، وهو يضيف:
- رسالتنا عظيمة والكسب المادي هو آخر بنودها.
- آه! ها قد بدأنا بالفلسفة!
علّق “ليث”.
فأقفل “أسامة” الموضوع بقوله:
- دعنا من هذا الآن وهلمّ بنا لنعود إلى المنزل، أشعر بالنعاس والتعب.
- وأنا كذلك.
وهكذا أعاد الرجلان بعض الأشياء إلى مكانها، ثم أطفآ القناديل المُضاءة، وأقفلا مركزهما الصحي.
ثم سارا باتجاه مسكنهما وهما يتهامسان بأحاديث متفرقة، قبل أن يستوقفهما صهيل خيلٍ قادمٍ من بعيد.
نظرا في الأفق بإمعانٍ علّهما ينجحان في استجلاء هوية الفارس القادم، وهما يتساءلان عن سرّ تجواله في هذه الساعة المتأخرة.
وقبل أن تتضح الرؤية أمامهما، تنبّأ “ليث”:
- لا بد أنه من رجال العسس الجوالين. أنت تعلم أنهم يحرسون الأسواق ويراقبون الطرقات ليلاً ونهاراً.
وانتظر الإثنان ثوانٍ معدودة قبل أن يريا جسداً متراخياً فوق ظهر الفرس.
تبادلا نظرات الدهشة، ثم سارع “أسامة” برفع ذاك الجسد ليرى وجهاً ينطق بالجمال، فيقول بانبهار:
- يا الله! إنها ملاك!

9

دخل “أسامة ” منزله وهو يحمل “زمردة” فوق كتفيه، ويقول لرفيقه:
- أحضر بعض الماء من المطبخ.
إستجاب لطلبه، في حين دخل غرفته ووضع جسد الأميرة بلطفٍ فوق فراشه، ثم جلس بجوارها وهو يحاول إيقاظها.
وعندما وصل “ليث” بالماء، نثره فوق وجهها وفركه به، فعلّق وقد سحرته بحسنها:
- إنه ناعم الملمس كالحرير تماماً.
فابتسم “ليث” ولم يعلّق.. بينما طفق “أسامة” يربّت على خدها بلطفٍ وهو يقول:
- آنستي.. هيا أرجوكِ.. حاولي أن تستردي وعيكِ.. آنستي.. هيا..
هزّت رأسها فيما يشبه استجابة أولية، ثم فتحت عينيها ببطء فلمعت فيهما درّتان ما رأى بصر
“أسامة” أجمل منهما.
فينفعل إحساس الرجل، لكنه يحاول التماسك لمواجهة الموقف، فيقول:
- حمداً لله أنكِ بخير.
- ماذا حصل؟
سألته وعقلها ما يزال مشتّتاً:
- أين أنا؟ ومن أنت؟
إبتسم محاولاً طمأنتها بقوله:
- لا تخافي. أنتِِ هنا بخير.أما أنا فأدعى “أسامة”، وأعمل طبيباً.
حاولت النهوض لكنها شعرت بثقلٍ رهيبٍ في رأسها، فارتمت مجدداً في مكانها، وهي تقول:
- لكن ماذا أصابني؟! أشعر بتعبٍ شديد!
- انتِ مرهقة، وهذا أمر واضح.
قال لها وهو يساعدها على الإستلقاء:
- لا شك أنك بحاجةٍ ماسّة للنوم والراحة.
ولم تعقّب على كلماته لأنها كانت قد غطّت في سُباتٍ عميق.

10

- صباح الخير.
قال “ليث” وهو يدخل المطبخ حيث صديقه:
- ماذا تفعل؟ هل تحضّر لنا طعام الإفطار؟
- أحضّره، إنما ليس لأجلنا.
أجابه وهو يحمل كوب الحليب ويضعه بجوار أطباقٍ متعددة من الأطعمة الشهية.
غسل “ليث” وجهه وهو يقول:
- إذن لا بد أنه للآنسة الفاتنة.
وأضاف مبتسماً:
- يبدو أنك مهتم بها. هل تعجبك؟
- ألا تعجبك أنت؟
قال له وهو لا يحوّل اهتمامه عن تجهيز الأطباق:
- ثم هي مريضة وتحتاج للغذاء، وما تحضيري للطعام سوى جزءاً من عملي.
- ربما.
- ربما؟!
صاح به منزعجاً:
- “ليث” إلامَ تُلمّح؟
- لا، لا شيء. لا داعي للغضب.
حمل الطعام وهو يقول:
- سأقدمه لها ريثما تبدل ملابسك. لقد تأخرنا على العمل.
أومأ برأسه ثم انتظر انصراف صديقه ليقول:
- مسكين! لقد بدأ يقع في شِباك الحب!
11

إستيقظت “زمردة” على صوت قرع ٍعلى باب الغرفة، فاعتدلت في سريرها، وتأملت المكان، وهي تسمع الطارق يقول:
- آنستي لقد أحضرت لك الطعام، هل تسمحين لي بالدخول؟
فأجابته وهو تسوّي شعرها بيديها:
- أجل.. تفضل..
فدخل الغرفة بصعوبة بسبب ما يحمله من أطباق، ثم قدمها ل “زمردة” وهو يقول:
- أسعد الله صباحك. لا شك أنك جائعة.
- شكراً جزيلاً على كرمك ولطفك.
قالت له بخجل، وابتسامة امتنان تنير شفتيها:
- لم يكن هناك داعٍ لتتعب نفسك في تحضير كل هذا.
- أنت مرهقة ووجهك شاحب اللون.. بصفتي كطبيب أجد أن العلاج الأمثل لكِ هو أن تأكلي كل ما جهزته.
قال لها وابتسامة عريضة تهزّ أركان وجهه:
- ثم لا داعي للشكر. هذا جزء من عملي.
حملت كوب الحليب وهي تقول:
- وهل تقوم بتحضير الطعام لكل مريضٍ يأتيك؟
فأجابها:
- ليس جميعهم. فقط من يهمني جداً منهم.
غاضت عن إطرائه لها، وشربت بعض ما في الكوب، ثم قالت:
- إنه لذيذ المذاق.
- هذا لأنه طازج. العم “سليم” صاحب المرعى القريب من هنا يجلبه لي يومياً.
أومأت برأسها وهي تشرب المزيد، فاستغل صمتها ليطرح السؤال الذي يشغل باله منذ ليل البارحة:
- أنا إسمي “أسامة” وكما أخبرتكِ أعمل في حقل الطب، وهذا المنزل المتواضع هو منزلي. هذا كل شيء عني ، ف.. فماذا عنكِ أنت آنستي؟
- أنت على حق.
قالت له وهي تنحّي الكوب جانباً:
- لا بد أنك تتساءل عن هويّتي.
- تابعي تناول طعامك أولاً.
- لا بأس. ما سأقوله لن يؤخرني كثيراً.. ففي الواقع ليس لديّ ما أُطلعك عليه.. أنا.. أنا لا أذكر شيئاً عن نفسي، ولا عن حياتي.. حتى أنني أجهل سبب وجودي هنا.
- فقدتِ ذاكرتكِ إذن؟!
سألها بدهشة:
- لكن كيف؟ أنا لم ألحظ أثر صدمةٍ على رأسك؟
ردت بحزن:
- لا أدري.. لا أدري..
- حسناً، لا تنزعجي وتابعي إفطاركِ بهدوءٍ أرجوكِ. سأقوم بمعاينتك بعد قليل.. إطمئني. قد يكون فقداناً موقّتاً للذاكرة والشفاء منه أمر مؤكد.
أظهرت ابتسامة باهتة، وقالت وهي تهزّ رأسها:
- أنا شاكرة لك. أنت لطيف للغاية معي.
ردّ على كلامها بابتسامة أكثر حيويةٍ منها، وهو ينهض قائلاً:
- سأرى صديقي وأعود.
وانصرف تاركاً “زمردة” تسأل نفسها بقلق:
- والآن ماذا ستفعلين؟

يُتبع…


» مصنف في قصص

التعليقات

إضافة تعليق