زمردة ـ الحلقة الثانية
أضيف في يوليو 20, 2009
3
في واحدٍ من الأحياء الفقيرة يعيش “أسامة”.
كان طفلاً حين رمته أمواج البحر على شاطئ “درب القمر”، فتلقاه طبيب عجوز ماتت زوجته دون أن تترك له خلفاً، فكفله، وعمل على رعايته وتعليمه حتى شبّ وأتقن مهنة اكتشاف الداء وصناعة الدواء.
رحل العجوز منذ سنتين بعدما أوصى ابنه بالفقراء خيراً، فحفظ “أسامة” الوصية واهتم بمعالجة آلام البؤساء وشفاء أمراضهم بإذن الله.
ولم يكن في كثيرٍ من الأحيان ينال أي أجرٍ لقاء عمله، إلا إذا اعتبرنا بضعَ دراهمٍ لا تكفي لشراء رغيف خبزٍ واحدٍ أجراً.
مع هذا كان الطبيب الشاب سعيداً بعمله، قنوعاً بوضعه، راضياً عن حاله الإجتماعية التي لا تتناسب مع المهنة التي يمتهنها.
للرجل صديق وحيد اسمه “ليث”.
علّمه “أسامة” بعض فروع المهنة بنفسه، فصار الساعد الأيمن له في عمله.
تعامل الصديقان منذ الطفولة كالأشقاء، حتى كل منهما بالنسبة للآخر أعز إنسان.
هذا النهار، وبعد عملٍ شاقّ، جلس الرجلان ليأخذا قسطاً من الراحة، ويتناولا طعام الغداء، وهما يسليان نفسيهما بحديث الشارع الأبرز.
قال “ليث”:
- مسكينة هي الأميرة.
- نعم.
علّق “أسامة” :
- أشعر بالأسى نحوها. يُقال أنها في ريعان شبابها، وفي ذروة الجمال.من المؤسف أن تُعامل بهذا الشكل لمجرد رفضها الزواج من الأمير “نديم”.
- سمعتُ أنه أبله ومغرور لا يطاق. لها الحق في رفضه. لكن في نهاية المطاف، أظنها سترضخ لمراد الملك، وتتزوجه.
قال “أسامة” بقلق:
- لكن حتى ذلك الحين قد تقع أحداث خطيرة.
- ماذا تعني؟
- أعني أن صحة الأميرة قد تتأذى. إن قرار الملك بسجنها في غرفتها قد يؤدي إلى مضاعفات سيئة على صحتها.
فهم ما يقصده، فقال:
- قد تُصاب بالكآبة على أقل تقدير.
سكت عن الكلام وعيناه تشعان بأمارات متوجسة خيفةً، فنطق “أسامة” بما يدور في خلده:
- نعم. قد تلجأ إلى إيذاء نفسها للتخلص من هذا الكابوس الذي تعيشه!
4
كان الملك “غسان” منهمكاً في مشاوراته مع وزيريه “رامي” و “فراس” حول مصير ابنته.
- لا أعرف ماذا سأفعل!
قال الملك:
- الأميرة سجينة غرفتها منذ ما يزيد على الأسبوعين دون جدوى. مازالت مصرّة على عصيان أمري لها بالزواج من الأمير “نديم”!
- ولن ترضخ لأمرك بهذه الطريقة.
قال الوزير “فراس”: الأميرة هي ابنة والدها، وقد نشأت على أخلاق الملوك وشيمهم. الصبر، وقوة الإرادة، وعدم الخضوع أو الخنوع لأي إنسان.
تدخل الوزير “رامي” قائلاً:
- وأي أسلوبٍ تراه مناسباً ليتعامل جلالة الملك مع ابنته المتمردة على أوامره؟
وأضاف:
- لقد ناقشها مطوّلاً لإقناعها بأهمية زواجها من الأمير “نديم”، وحاول مراراً وتكراراً إظهار مدى خطورة قرارها الرافض له.. لكنها أبت أن تنصت للعقل، وأخضعت قرارها لقلبها، فاستحقت السجن.
فقال الوزير “فراس”:
- أرى أن يحاول الملك مناقشتها مجدداً في هذا الموضوع.
فسأله الملك:
- وإلّم تقتنع؟
- في تلك الحالة.. أرى أنه من الضروري احترام رأيها.
- ماذا؟!
صاح الوزير “رامي” مستنكراً:
- هل تدرك خطورة ما تقول يا سيدي الوزير؟! إلّم يُعطِ جلالته الموافقة الرسمية لحاكم مملكة
“الفهود” على هذا الزواج، وقريباً جداً، فهذا سيؤدي بلا شكّ إلى حربٍ قاضية علينا!
تبنّى الملك “غسان” موقف وزيره “رامي” حينما قال:
- أنت محقّ. مملكتنا صغيرة وضعيفة، ولطالما كان للممالك والبلاد المجاورة مطامع كثيرة بها. إن رفضي هذا الزواج سيمنح الملك “خليل” الحجة اللازمة ليقوم بمهاجمتنا واحتلال أرضنا.
- وهذا لن يكون صعباً على جيشٍ بضخامة جيش مملكة “الفهود”.
قال الوزير “رامي”:
- الرفض سيكون جنوناً بكل معنى الكلمة.
فردّ الوزير “فراس”:
- لكن القبول سيدمر الأميرة ما لم يصدر عن قناعتها الذاتية.
فسألهما الملك بعدما أزعجه طول الحديث دونما جدوى:
- فماذا تريان إذن؟
- أرى أن يبقى الحال كما هو.
قال الوزير “رامي”:
- الأميرة “زمردة” سترضخ للواقع عاجلاً أو آجلاً.
أما الوزير “فراس” فقد كان له رأياً مخالفاً:
- لكني أرى أن تُمنح الأميرة كامل الحرية.. فالاستمرار في سجنها سيؤدي حتماً إلى الإضرار بها.
5
جلست الأميرة “زمردة” في سريرها وقد سالت دموعها وشحب لونها مُظهراً بوضوح مقدار الألم الذي تعانيه.
وقد عملت وصيفتها “نسرين” جاهدةً على مواساتها والترفيه عنها، بهدف إزالة الكآبة التي تعيشها، لكن كل جهودها ضاعت هباءً.
- يا أميرتي.
قالت “نسرين” بإشفاق:
- أنتِ لم تأكلي شيئاً منذ أيام.. ما رأيكِ لو حضّرتُ لكِ الغداء بنفسي؟
- لا شهية لي يا “نسرين”. لا أريد شيئاً.
- وهل ستستمرين على هذه الحال؟ على الأقل كفّي عن ذرف الدموع فهي لن تُجديكِ نفعاً.
- لا أستطيع.
قالت بصوتٍ مخنوقٍ:
- أشعر بأني مقيّدة. كأن حملاً ثقيلاً وقع علي!
قالت “نسرين” متألمة:
- لكن لماذا لا ترضخي لأمر الملك وتقبلي بهذا الزواج؟ لماذا تصرين على تعذيب نفسك؟
- وهل سينتهي العذاب بزواجي من الأمير ” نديم “؟
سألتها مشكّكة:
- إنه طمّاع، خسيسٌ، هو ووالده لا يهمهما أمر سوى السيطرة على “درب القمر”.
وأضافت:
- يدركان جيداً أن مقاليد الحكم في “درب القمر” ستؤول من بعد والدي إليّ، لذلك يريدان لهذه الزيجة أن تتم.
وتابعت:
- انا لن أسمح لهما بتحقيق مبتغاهما.
تساءلت “نسرين”:
- لكن ألا يفقه الملك هذه الحقائق؟!
- كل ما يفكر به والدي هو تجنيب المملكة حرباً دامية.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول الوصيفة:
- الأمر محيّر بالفعل. لكن ماذا بوسعك أن تفعلي أمام إصرار الملك وتشبثه بموقفه؟
فأجابتها بنبرة من حزم أمره:
- سأهرب!
وشهقت “نسرين” بفزع…
وفي ظلام الليل الدامس إنطلقت الأميرة فوق صهوة فرسها، مخترقةً حواجز القصر التي تعرفها عن ظهر قلب، وكذلك الغابة التي تحيط به.
وكانت قد أخفت معالمها بثوبٍ فضفاض، إنساب فوق وجهها وجسدها بسلاسة، حتى بدت كشبحٍ أسود يندفع هائماً في البراري والقفار.
ومن نافذة غرفتها كانت الوصيفة تودعها بعينين دامعتين إتّقد الخوف والقلق فيهما.
وفجأة دخل الملك قائلاً:
- “زمردة” لقد جئت إليك لنتحدث ب..
ولم يتمّ عبارته لأنه لم يعثر على ابنته، واستدار حول نفسه باحثاً عنها، قبل أن يسأل الوصيفة عن مكانها.
فأحنت الوصيفة رأسها، وأجابته بصوت قطّعه الخوف أجزاءً:
- الأميرة.. هربت.
6
- هذا ما كنت أخشاه.
قال الوزير “فراس” مخاطباً الملك:
- ولهذا طلبتُ من جلالتك منح الأميرة حريتها. لقد ضاق بها الحال، فلم تجد حلاً أمامها سوى الفرار. لقد حذرتك يا مولاي من خطورة قرارك.
- هذا ليس وقت اللوم والتأنيب.
قال الوزير “رامي” بانزعاج:
- علينا أن نفكر في كيفية معالجة هذا المأزق.
قال الملك بقلقٍ واضح:
- كل ما يهمني الآن هو عودة ابنتي. أنا واثق من أنها في خطر. هي تجهل طرقات المملكة، ولا تفهم طبائع العامة من الرعية.. قد تضيع، وقد تُختطف.. قد يؤذيها أحد ما!
فسارع “رامي” إلى القول:
- لقد أمرتُ بإرسال فرق البحث والتفتيش لملاحقة الأميرة وإرجاعها إلى القصر.
وقال “فراس”:
- وأنا بدوري بعثتُ برُسُلٍ إلى كافة مراكز العسس في المملكة، للمباشرة بعملية بحثٍ شاملة عن الأميرة.
- لم يكن هذا عملاً مفيداً أو ذكياً حتى.
علّق “رامي” بوقاحة:
الأميرة هربت منذ وقتٍ قليل، وهي بالتأكيد لم تبتعد كثيراً عن القصر.
فردّ “فراس”:
- فكّرتُ أن فرق البحث والتفتيش قد تفشل في إيجادها قريباً، لذلك سيكون من المفيد حينها أن يتدخل العسس.. خاصةً أن الاميرة ستكون حينها قد ابتعدت.
- تفكير صائب.
علّق الملك، فاغتاظ الوزير المنافس:
- لكني أتمنى إيجادها بأسرع ما يمكن. الخطر عليها يزداد بازدياد ساعات اختفائها.
يُتبع…
» مصنف في قصص
التعليقات
تعليق واحد على “زمردة ـ الحلقة الثانية”
إضافة تعليق
الف شكرآ اخي قصه رااااائعه جدآآآآ
لم اشاااهد قصه جذبتني لقرااائتهاااا
الاميره قصص رااائعه جدا
هذا ابي انتقل للقصه الثااالثه <اقصد الحلقه ولك مني جزيل الشكر ع الابدااااع