زمردة ـ الحلقة الخامسة

أضيف في يوليو 25, 2009

16

كانت “أم فستق” قد جمعت نصف نساء الحي على فنجان قهوة ظاهرياً وعلى جلسة “قيل وقال” باطنياً.
– قلت لنفسي أنه يجب أن أتعرف عليها وأتشرف بمعرفتها.
قالت “أم فستق” وهي ترتشف قليلاً من القهوة:
– ولم أرضَ أن أزورها صفرَ اليدين، لذلك حضَّرت لأجلها خصيصاً قدراً كاملاً من المهلبية،
وقصدت منزل جارنا الطبيب بنيّةٍ صافيةٍ راغبةً بمعاشرة جارة جديدة وأنا أحمل “صينية” من المهلبية.
وعلَّقت إحدى الحاضرات مجاملةً:
– أنتَ مشهورة بالكرم يا “أم فستق”.. سخية مع الجميع طوال عمرك.
– شكراً لك يا “أم شفيق”.
ردت “أم فستق”:
– المهم أني حملت “الصينية” ودخلت بها على تلك المرأة، فاستقبلتني بوجهٍ عبوسٍ مكفهرٍّ ما رأيتُ أسود أو ألأم منه في حياتي!
وتابعت سرد مزاعمها وسط تعليقات نفور واستنكار:
– لكني تغاضيت عن ذلك وحاولت التودد إليها بالحديث معها. سألتها عن إسمها وعن القرابة
التى تربطها بالطبيب، فإذا بها تكشِّر عن أنيابها وتنفجر ساخطة بوجهي.
– وماذا قالت؟!
سألتها بضع النساء بصوتٍ واحد، فأجابت:
– قالت لي بوقاحة أن هذا ليس من شأني، ونعتتني بالحشرية والفضولية وألفاظٍ نابيةٍ أخرى لا يمكنني التلفظ بها.. قولوا لي أنتنَّ هل أخطأتُ بسؤال تلك الغريبة الدخيلة عن هويتها؟ ألا يحق لي أن أعرف من تكون هذه الفتاة التي تسكن مع شابين وحيدين وبجوار منزلي؟

– بل على العكس، لكِ كل الحق بذلك..
قالت إحداهن، وعلَّقت أخرى:
– يبدو لي أنها فتاة من الشارع.
– وسألت ثالثة:
– وماذا فعلت بعد ذلك؟
– حاولت أن أعتذر منها لكنها لم تمهلني الوقت، إذ أنها سارعت بإخراجي وبالقوة من المنزل وهي تقول أن وجودها فيه أمرٌ لا يخصني.
قالت بصوتٍ رنّان:
– ورغم كل هذا بقيَت محتفظة بما حملته لها من أطباق المهلبية.
– كما قلت لكنّ..
قالت إحدى النسوة اللواتي تكلمن سابقاً:
– إنها فتاة بلا أخلاق ولا شرف.. فتاة من الشارع!

17

جلست ” زمردة ” على المقعد، وهي تتنهد وتنظر حولها متأمّلةً بعض التغييرات التي أدخلتها على تصميم المكان قائلة:
– أجل، هذا أفضل. ” أسامة ” سيعود بعد قليل، هو وصديقه.
قالت لنفسها مستطردة:
– ماذا ستفعلين يا ” زمردة “؟ لقد خرجت هاربة من قصر والدك وها قد رماكِ القدر في هذا المنزل.. وبعد؟
قطع حبل أفكارها دخول ” أسامة ” و ” ليث ” عليها، وحياها الأول قائلاً:
– مرحباً آنسة ” زمردة “. كيف..
تأمل المكان فتوقف عن الكلام، وظهرت أمارات الدهشة على وجهه، قبل أن يقول:
– من.. من فعل كل هذا؟!
– لقد رأيتُ أن المنزل يحتاج إلى بعض الترتيب.
قالت ” زمردة “:
– ففعلت ذلك. ألم يُعجبك؟
– بل على العكس!
صاح مبتسماً:
– إنها مدهشة!
– وأنا أوافقك الرأي.
قال ” ليث ” وهو يدخل المطبخ:
– أين تعلمتِ أصول التزيين هذه؟
وبدون انتباه أجابته:
– في الواقع أخذت دروساً خاصةً في هذا المجال في الق..
قطعت كلامها حين أدركت الخطأ الذي وقعت فيه، فأطلَّ ” ليث ” من المطبخ قائلاً بمكر:
– أكملي كلامكِ.. لماذا توقفتِ فجأة؟
وقال ” أسامة ” متعجباً:
– آنسة ” زمردة “! هل إسترجعتِ ذاكرتكِ؟!
– لا.. لا.. لا أدري.
ردَّت بارتباك قبل أن تضع يدها على رأسها، فيما يشبه مشهد الحائر، وتقول مستدركة:
– أشعر بأني ضائعة.. لا أعلم كيف تذكرتُ هذا الأمر.
– لا تعلمين؟!
سألها ” ليث ” مُشكّكاً، في حين قال ” أسامة ” بجدية:
– حاولي التركيز أرجوكِ وقولي لي هل تذكرين أموراً أخرى عن ماضيكِ؟
شعرت بأنه من الواجب عليها مصارحته وإخباره بالحقيقة في هذه اللحظة بالذات، لكن شجاعتها خانتها فقالت:
– لا.. لا.. لا أظن.. ربما مع الوقت أتذكر المزيد.. الآن.. أنا فعلاً مشوّشة..
سأرتاح في غرفتي.. المعذرة.
وانصرفت هاربة من أمامهما، ثم دخلت غرفتها وجلست فوق السرير، وهي تفكر بما حدث
وتقول لنفسها:
– حسناً، لم أخبره بحقيقتي في البداية لأنني لم أكن واثقة منه، وخشيت إن علم بحقيقتي
أن يسعى لإعادتي إلى القصر. والآن عندما وثقتُ به لا يمكنني إخباره بالحقيقة لكي لا يكتشف أني كذبتُ عليه، آه.. إنه أمرٌ محيّر!!

18

جلس “أسامة” يفكر فيما حدث للتو، في الوقت الذي قال “ليث” وهو يبحث عن الطعام في المطبخ:
– يبدو أنها لم تأخذ دروساً في الطهي.
وعاد إلى غرفة المعيشة قائلاً:
– سأنزل لإحضار ما نأكله.. هل لديك إقتراح؟
– لا، إشترِ ما تشاء.
– حسناً.. لن أتأخر.
قال ذلك وخرج تاركاً باب المنزل مفتوحاً، فنهض صديقه وأغلقه إلى نصفه ثم سار بتردّد
نحو غرفة الآنسة وقرع على بابها، فارتبكت وقالت:
– من؟
– أنا أسامة.. هل..
قاطعته قائلة:
– تفضل حضرة الطبيب.
فدخل وهو يقول:
– كيف أصبحتِ؟
فأجابته وهي تنهض عن السرير:
– أفضل. شكراً لسؤالك.
إنتظرت أن يقول شيئاً لكنه لم يفعل، وبدا كأنه متردد في الكلام، فحثّته على ذلك قائلة:
– هل كنتَ ترغب بقول شيءٍ ما؟
– نعم.
قال من فوره، لكنه سارع لإلغاء إجابته:
– لا!
وأضاف بارتباك:
– في الحقيقة، كنتُ أريد أن أسألكِ إن كان لديكِ ما تخبرينني به.
– أنا؟
قالت متسائلة:
– لا، لا..
أومأ برأسه معلناً تفهمه، لكنه رغم هذا بدى غير واثق بها.
وسار خطوات ليخرج من الغرفة لكنها استوقفته قائلة:
– مهلاً..
أسامة..
أضافت وقد حذفت لقبه للمرة الأولى:
– فعلاً.. لدي ما أطلعك عليه..
واقتربت منه وهي تتابع كلامها:
– إنه.. إنه أمرٌ مهم.
– حقاً؟!
سألها باهتمام ممزوج باللهفة:
– وما هو؟!
إرتفع صوت ضجة في الخارج، لكن هذا لم يؤثر على سير حديثهما، إذ قالت زمردة:
– في الواقع.. لقد أخفيت عنك بعض الأمور التي كان يجب أن تعلمها.
– ماذا؟!
سألها وبعض الوجوم على محيّاه:
– لم تفقدي ذاكرتكِ؟
أحنت رأسها خجلاً في علامة واضحة تؤكد ظنه، فاستشاط غضباً:
– لكن لماذا؟! آه.. كل هذا كان مجرد لعبة؟! لا أصدق .. لا أصدق أنكِ بكل هذا الجمال وهذه البراءة تلاعبتِ بي وقمتِ بخداعي !
– لا، لم تكن لعبة.
دافَعَت عن نفسها:
– لقد فعلتُ هذا لأحمي نفسي.
– تحمين نفسكِ؟ لكن ممن؟!
سألها وغضبه في ثبات:
– هل كنتِ خائفة من أن نؤذيكِ؟! آه.. بالله عليكِ.. هويتكِ ما كانت تهمنا لو أردنا فعل ذلك.
– بل كانت ستهمكما.
ردّت بنبرة لا تخلو من الحزم:
– لو كنتما علمتما بحقيقتي لكنتما أعدتماني.
– أعدناكِ؟!
صاح بدهشة:
– لكن إلى أين؟!
– إلى حيث أنتمي وإلى حيث يجب أن أكون.
– إلى حيث يجب أن تكونين؟!
قال وهو يُحدق فيها:
– لكن بالله عليكِ.. بالله عليكِ من تكونين؟!
– إنها “زمردة”!
قال “ليث” مجيباً وهو يقتحم المكان:
– إنها الأميرة “زمردة”!
– ماذا تقول؟!
سأله بذهول:
– أل.. ألأميرة “زمردة” ؟!
– نعم.
قالت “زمردة”:
– لم تخطىء حين اخترت لي إسماً. أنا هي ألأميرة الحسناء.
إرتمى على الكرسي خلفه، وهو يتمتم بذهول:
– غير معقول.. الأميرة؟!.. لا أصدق!
– إنها الحقيقة..
قال له “ليث”:
– وتتمّتها أن رجال العسس في الشارع يُعلنون اختفاءها، ويعرضون رسماً لها علّهم يجدونها.
– يا إلهي!
همست بقلق:
– لا يجب أن يجدوني.
– لماذا؟!
سألها “ليث”:
– ما الذي فعلته؟! ما الذي تهربين منه؟!
أرادت أن تجيبه لكنها تراجعت عن ذلك، بعدما تناهى إليهم أصواتٌ ووقعُ أقدامٍ تقترب من المنزل ثم تدخله، ليعلو بعدها صوتٌ نسائيٌ لم يكن سوى صوت “أم فستق” التي راحت تقول:
– إنها هي. أنا متأكدة من هذا الأمر. لقد رأيتها وتفحصتها بعيني هاتين اللتين سيأكلهما الدود!
وسرعان ما دخل الغرفة ثلاثة من الجنود، ومعهم العجوز السمينة التي صاحت مشيرةً إلى الأميرة:
– ها هي!
– نعم إنها الأميرة.
قال كبيرهم:
– إقبضوا عليها.
وسارعا نحوها، فصاحت:
– لا.. لا تقتربا مني.. لا أريد العودة!
– ماذا ستفعلان؟!
صاح “أسامة” غاضباً متدخلاً:
– ماذا تريدان منها؟!
وقال صديقه محذِّراً:
– “أسامة”!
– “أسامة” ؟! أهذا هو اسمك؟
قال كبير الجند:
– ماذا تفعل أنتَ هنا؟
– هذا منزلي.
– أنتَ إذن من كان يُخفي الأميرة.. حسناً.. سترافقنا إذن.
– لكن ماذا تقول أنا لم أخفِ أحداً هنا.
– إنه محق أيها الجندي.
قالت “زمردة”:
– لا شأن للسيد في هذا الأمر.
– أُفضِّل أن نبحث ذلك أمام جلالة الملك.
وقبض الجنود على “زمردة” و”أسامة” وساقوهما خارج منزل الطبيب الذي كان
آخر كلماته لصديقه:
– “ليث”.. إعتنِ بالعيادة.. وعالج ما أمكنك من المرضى حتى عودتي.
ورجعت “أم فستق” إلى بيتها تعض أصابعها ندما،ً وتقول:
– يا إلهي! ما الذي فعلته؟!
وسألتها إبنتها:
– ماذا حصل أمي؟
فاجابتها وهي شاردة الذهن :
– لقد وجدتُ العسس في الشارع يسألون عنها، ويعرضون صورتها على الناس فظننتُ أنها مجرمة يريدون القبض عليها. لكنها لم تكن كذلك كانت الأميرة! إبنة ملك البلاد !وبدلاً من سجنها هي سيسجنون الطبيب بتهمة إخفائها.
– ماذا؟! سيسجنون الطبيب؟!
صاحت الفتاة بذهولٍ ممزوجٍ بالغضب:
– لكن أمي! ماذا فعلتِ؟! لقد دمرتِ كل شيء! إن دخل الطبيب السجن، فلن يخرج منه أبداً! ولن أتزوج منه!
وبكت الإثنتان معاً.
وفي هذا الوقت كانت أنظار الرجال والنساء والأطفال في حيّ الفقراء مسلّطة على الطبيب المأسور، تتساءل وتحتجُّ في آنٍ واحدٍ على ذلك..
وخرج أحد الرجال ليقول بشجاعة أمام جند الملك:
– لماذا تأخذون الطبيب؟! إنه أفضل وأشرف سكان هذا الحي!
– هذا ليس من شأنك!
صاح كبيرُ الجند:
– أغرب عن وجهي.
ولكزه أحد الجند، فرماه أرضاً، فتسابق الناس لمساعدته على النهوض، وصاح شاب بغضب :
– الله أكبر على كل ظالم!
وصعد الجند على عرباتهم، ومعهم الأميرة والطبيب. وسرعان ما إنطلقت العربات متجهة نحو قصر الملك.
يتبع…


» مصنف في قصص

التعليقات

إضافة تعليق