زمردة ـ الحلقة الرابعة
أضيف في يوليو 20, 2009
12
صاح “ليث” مستنكراً:
- ماذا؟! ستبقى معها؟! ستمكثان في المنزل وحدكما؟!
أطبق بيده على فم رفيقه، وهو يقول:
- أخفض صوتك أيها الغبي! نعم، سأبقى معها لكي أعالجها.
- آه.. تعالجها.
- هل أسمع في صوتك نبرة سخرية؟!
سأله بنفور:
- يبدو أنها تعاني من فقدان ذاكرتها، سأحاول معاينتها للكشف عن سبب ذلك محاولاً إيجاد العلاج المناسب لها، وبعد ذلك سألحق بك.
جلس “ليث” على الكرسي وهو يقول:
- ولم لا أنتظرك؟ أنا لست مستعجلاً.
- أنا لا يهمني أمرك، ولا فرق عندي إن كنت مستعجلاً أم لا. ما يهمني هو المرضى وأظن أنهم لن يصبروا على آلامهم حتى أنتهي.
زمّ شفتيه، في الوقت الذي تابع صديقه:
- إفتح العيادة وحاول معالجة الحالات التي تصلك. صدقني لن أتأخر.
فنهض الشاب وهو يؤكد على رفيقه:
- ستعالجها فقط.
أومأ برأسه، فانصرف “ليث” على مضض، وهو يغمغم بسلسلة من الكلمات الغامضة.
وهمَّ “أسامة” بالعودة إلى غرفة الفتاة لكنه وجدها قد خرجت منها ومكثت في غرفة الجلوس، فخاطبها قائلاً:
- يبدو أنك تشعرين بالنشاط.
نهضت، ثم حملت أطباق الطعام التي كانت قد وضعتها على الطاولة وسألته:
- أين المطبخ؟
- من هنا.
أشار لها:
- والحمّام بجواره.
غابت “زمردة” لدقائق معدودة، وحين عادت إلى الغرفة نفسها لم تجده، وقبل أن تبحث عنه، سمعت ضربات قوية على باب المنزل، فارتعشت خوفاً، وترددت في فتحه، إلا أنها حين سمعت صوت طفلٍ ينادي “أسامة”، اطمأنت وفتحت الباب.
تفاجأ الصبي بها، وسألها ببراءة:
- من أنتِ؟
فابتسمت وأجابته:
- أنا.. أنا ضيفة هنا.. ماذا تريد؟
- لقد طلبت مني أمي أن أسأل العم “أسامة” إن كان لديه بعض “ماء الزهر”.
- من الطارق؟
صاح “أسامة” وهو يخرج من غرفته، ويقترب منهما:
- هذا أنت يا “فستق”! ماذا هناك؟
وقبل أن يجيبه، ردت “زمردة”:
- لقد طلب القليل من “ماء الزهر”.
- أجل.
قال الصبي:
- أمي وشقيقتي تحضران لنا “مهلبية”.
فسأله باسماً:
- وأنت تحبها؟
- حسناً، إنتظرني.
ولم يكد يغيب ثوانٍ معدودة حتى عاد حاملاً كأساً مليئاً بما طلبه، وسلمه للصبي، ثم ودعه وأقفل الباب وهو يسمع “زمردة” تقول:
- ولدٌ لطيف.
- هذا صحيح.
وأضاف مستطرداً:
- الآن دعيني أقوم بفحص رأسك لعلي أجد أثراً لما تسبب بفقدانك الذاكرة.
إمتثلت لأمره، فجلست بقربه وأحنت له رأسها، فباشر كشفه الطبي وهو يقول:
- ألا تذكرين شيئاً عن ماضيكِ؟ ولا حتى اسمك؟
- لا أذكر شيئاً.
- حسناً إذن.. دعينا نختار لك إسماً.. ما رأيكِ؟ هل لديك اقتراح بهذا الشأن؟
- لا، لم أفكر باسمٍ معين.. هلاّ ساعدتني.
- في الواقع لقد فكرت مسبقاً ووجدتُ لك اسماً يليق بكِ.
قال ذلك وهو ينصرف عن عمله ليتأمل وجهها ويضيف:
- “زمردة”.
قفز الخوف من عينيها، وهتفت مندهشة:
- “زمردة”؟! ولماذا “زمردة” ؟!
فأجابها وهو لا يرفع بصره عنها:
- نسبةً إلى ابنة الملك. يُقال أنها باهرة الجمال.. وأنا.. لا أظنكِ أقل منها.
لم تدرِ “زمردة” ماذا أصابها بعد كلماته..
فلأول مرة تشعر أن نظراته تخترقها..
لأول مرة تشعر بهذه الرعشة اللذيذة في قلبها..
ولأول مرة يراودها إحساس غريب ويسري في داخلها!
وضع الرجل يده بحنان على خدِّ الفتاة، وداعبه بلطفٍ شديد وهو يقول:
- أنت حسناء.. فاتنة.. لا أظن أن امرأة في المملكة تضاهيك جمالاً، ولا حتى الأميرة.
وساد الصمت بعد عبارته الأخيرة.
ومضت الثواني وعينا كل منهما تحدق بالآخر، ويد “أسامة” لا تنكفئ عن لمس هذا الجمال.
لكن “زمردة” سارعت بالنهوض من مكانها فجأةً، وهي تقول كأنها تلوم نفسها:
- يا إلهي! ما الذي نفعله؟!
فتدارك الرجل الموقف، وحاول معالجته بالقول:
- أنا المخطئ. أرجوكِ سامحيني.
فقالت بحيرة:
- يجب أن أرحل.
- لكن ماذا تقولين؟!
صاح بدهشة:
- كيف ترحلين وأنتِ لا تعرفين من تكونين، ولمّا تتماثلي للشفاء بعد.
- لكن وجودي هنا خطِر.
- أرجوكِ لا تقولي هذا. لقد كانت لحظة ضعفٍ وحسب.
قال متأسفاً عما حدث للتوّ:
- وأعدكِ بألا تتكرر، وعلى عكس ما تظنين أنا أجد أن خروجك من هنا هو الخطر بعينه.
بدت متردّدة، فأضاف لإقناعها:
- إسمعي آنستي.. حين تقررين مغادرة هذا المنزل فلن يمنعكِ أحد،لكن ذلك لن يكون إلا بعد شفائك التام مما تعانين. واطمئني.. فرسُك بخير وهي بانتظارك في إسطبل العم “سليم” متى شئتِ.
- حسناً.. سأبقى.
إبتسم قائلاً:
- هذا رائع! أعدكِ بألا تندمي على قرارك هذا. والآن سأنصرف إلى عملي.
وغادر سريعاً، تاركاً الفتاة غارقةً في حيرتها.
13
في القصر كان قلق الملك في ازدياد، وغضبه في تصاعد، فهاهو يخاطب وزيريه قائلاً:
- لكن ماذا يفعل الجميع حتى الآن؟ فِرَقُ البحث والتفتيش والعسس.. ما جدواهم إلّم يتمكنوا من العثور على ابنتي حتى هذه اللحظة؟! لقد انقضى على غيابها أكثر من إثني عشر ساعة ولم يصلني أي خبرٍ عنها!! هذا إهمال! نعم! هذا هو الإهمال بعينه!
- هدّئ من روعك يا مولاي.
قال الوزير “فراس”:
- إن الفِرَق كلها تبذل قصارى جهدها في البحث عن الأميرة، حتى أنهم سيعلنون عن اختفائها في الأسواق. سوف يجدونها، لكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت.
- وما الذي يؤكد لنا أنهم سينجحون؟
قال الوزير “رامي”:
- ثم لو افترضنا أنهم يبذلون كل ما يستطيعونه كما تقول.. فما هي المدة التي سيحتاجونها للعثور على الأميرة؟ يوم.. إثنان.. أسبوع.. شهر؟
أفزعت هذه الكلمات الملك، فصاح:
- إنها مدة طويلة! من يدري ما قد يصيب ابنتي خلالها! ماذا ترى أيها الوزير؟
فأجابه “رامي”:
- الأمر واضح يا سيدي. هناك إهمال وتقاعس من قِبَل الفِرق كما ذكرت.. وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى قادتهم. لهذا أقترح تغيير هؤلاء.
فسأله “فراس” وقد اكتشف الهدف الذي يصبو إليه:
- وهل لدى السيد الوزير بعض الأسماء البديلة؟
- لا.
ردّ بدهاء:
- لكن حكمة الملك سترشده إلى الشخص المناسب الذي يثق به وبتفانيه في عمله لخدمة المملكة وتنفيذ أوامره بالسرعة اللازمة.
أومأ الملك برأسه، وبدى كأنه يدرس اقتراحه بجديّة، لذلك سارع “فراس” إلى القول:
- دعنا يا مولاي نمنح القادة بعض الوقت.
- حسناً.
قال بعد دقيقة صمت:
- بلغهم أني سأصبر حتى المساء. من الأفضل أن تكون الأميرة قد عادت إلى غرفتها في القصر قبل انتصاف الليل وإلا..
14
– ماذا قلت؟ فتاة؟!
صاحت “أم فستق” بانفعالٍ وحدّة:
– ما اسمها؟ وماذا تفعل وحدها في داره؟!
– لا أعرف.
أجابها الصبي بخوف:
– قالت لي أنها ضيفة في عنده.
وتدخلت شقيقته التي لم تتجاوز العشرين عاماً قائلة:
– وهل هي جميلة؟
– نعم، إنها أجمل منك بكثير.
أغضبها بكلامه فانهالت عليه ضرباً، وهي تصيح:
– لا تقل هذا! أنا أجمل منها بالتأكيد! أنت أحمق! غبي!
أبعدتها والدتها عنه، ففرّ مسرعاً من أمامهما وهو يصيح ويبكي، في حين قالت الأم لابنتها مواسيةً:
– عندما تنتهي المهلبية سأحمل لها طبقاً. إطمئني. بعد قليل سآتيكِ بخبرها.
وبدت الفتاة قلقة من مجرد التفكير باحتمال ضياع الطبيب الشاب منها، فهذا هو الرجل الذي لطالما حاولت إثارة انتباهه وحلمت بالارتباط به.
بعد قليل..
فتحت “زمردة” باب المنزل بعد ترددٍ لترى أمامها إمرأة سمينة تجاوزت الخمسين عاماً تقول:
– مرحباً.. يمكنني الدخول؟
تفاجأت بها وبطلبها، فسألتها:
– من حضرتكِ؟
قهقهت ضاحكة من نبرة الاحترام في خطاب الفتاة، واقتحمت المكان حاملةً طبق الحلوى وهي تقول:
– حضرتي؟! حضرتي أكون “أم فستق”.. الكلُّ في هذا الحيّ يعرفني.. وأنا أسكن مع أسرتي في المنزل المجاور.
– أهلاً وسهلاً.
قالت “زمردة”:
– هل أستطيع أن أعرف سبب زيارتكِ الآن؟ السيد “أسامة” غير موجود.
– هكذا؟ بسرعة!
هتفت مستهزئة:
– إدعيني للجلوس أولاً.
– أنا آسفة.. تفضّلي.
لم تنتظر دعوتها بل جلست قبل إتمام عبارتها، ووضعت الطبق على الطاولة بقربها وهي تقول:
– أحضرتُ هذا للطبيب.. لقد أنهيتُ طهو الحلوى للتو، وقلت لنفسي لا بدَّ من تخصيص الطبيب بحصّةٍ منها.
بقيت “زمردة” واقفةً بجوار الباب المفتوح، وقالت:
– حسناً، سأسلمه له حين يعود.
– وهل ستبقين هنا حتى المساء؟!
صاحت بها بوقاحة وهي لا ترفع نظراتها المتفحّصة عنها:
– أخبرني ابني أنكِ ضيفة هنا.
فردّت بانزعاج:
– في الواقع.. سأبقى لأيام معدودة.
فنهضت وهي تقول باستنكارٍ، وبدنها يهتزّ لشدة سُمنته:
– لكن بأي صفةٍ ستمكثين مع شابين غريبين؟ أنا أعرف عنهما كلَّ شيء.. وأدرك جيداً أن لا أقارب لهما.. لا ذكور ولا إناث!
فصاحت “زمردة” بنفاد صبر:
– لكن كيف تسمحين لنفسك بمخاطبتي بهذه الطريقة؟ وبأي صفّةٍ تتجرئين على طرح كل هذه الأسئلة؟!
– آه! آسفة يا عزيزتي!
هتفت بصوتٍ رنّان ساخرة:
– لم أكن أعرف أني أخاطب سمو الأميرة! أخطأت وأطلب العفو منكِ!
– أُخرجي!
قالت بغضب:
– غادري فوراً وخذي هذا الطبق معك.
– ماذا؟! أتطردينني؟! لا.. لقد تجاوزتِ حدودك يا حبيبتي!
صاحت بامتعاض:
– سأخرج.. لكن اعلمي أنك ستندمين على هذا التصرف.. أنصحكِ بترك الطبيب وشأنه.. لم يعد ينقصنا في الحيّ سوى الجواري والغانيات!
– إخرسي!
صاحت بها:
– واخرجي الآن!
ودفعتها بكلتي يديها خارجاً، ثم أقفلت الباب وهي تجهش بالبكاء، وتسمع شتائم “أم فستق” تخترق الجدران، والمشاعر.
15
إنصرف المريض الأخير، فجلس “أسامة” و”ليث” يرتاحان ويتناولان أطراف الحديث…
فقال الثاني:
– وماذا كانت نتيجة الفحص؟
– غريبة!
ردَّ مجيباً:
– لم أعثر على أثر لأيّ صدمة! ما من خدشٍ أو تألم أو تورّم!
– ربما لم تعد الضربة ظاهرة، أو أنّك لم تقع عليها فحسب.. وربما تكون صدمة نفسية هي
ما أفقدها الذاكرة!
– ربما..
– وربما تكون آنستنا ماهرة في الخداع.
سأل “أسامة” مستنكراً:
– ماذا تقول؟!
فردّ مدافعاً:
– إنه احتمال بين عدة احتمالات.
– إنه احتمال مستحيل!
– لا، ليس مستحيلاً..
قال “ليث” متبسِّماً:
– وجدناها هائمة مساءً في ساعة متأخرة ووحيدة.. ربما كان لها ماضٍ مريب.. وأرادت بهذه الحجة إخفاؤه.
أصرّ على رفضه بقوله:
– لا، لا، لا.. هذا غير ممكن. لقد ذهبت بعيداً في ظنونك يا “ليث”!
فاتسعت ابتسامته وعلا صوت ضحكته وهو يقول:
– آه.. هل رأيت كيف استدرجتك؟
– استدرجتني؟!
سأله بسذاجة:
– إلى ماذا؟! آه “ليث”.. علامَ تضحك؟!
تمالك نفسه وقال معلناً:
– أنت تحبها!
– أحبها؟!
سأله بدهشةٍ فاترة:
– وما الذي يجعلك واثقاً من ذلك؟!
توقف عن الضحك، لكن ابتسامته لم تزل وهو يقول:
– أنت تدافع عنها وكأنك تدافع عن نفسك.. ببساطة تشعر أن التهمة موجهة إليك.. وهذا يا رجل يؤكد لي أنك بدأت تعتبر الآنسة الحسناء تلك جزءاً منك.
– حسناً.
قال وابتسامة غامضة ترتسم على وجهه:
– وما المضحك في الأمر؟
يُتبع…
» مصنف في قصص
التعليقات
إضافة تعليق