زمردة ـ الحلقة السادسة

أضيف في يوليو 25, 2009

19
– جلالة الملك.
قال الحاجب وهو يدخل على الملك لاهثاً:
– لقد وصلت فرقة من العسس ومعها الأميرة.
– ماذا؟!
صاح الملك بلهفة، وهو ينهض عن كرسيه:
– وجدوا إبنتي؟!
وقال الوزير “رامي” الذي صادف وجوده برفقة الملك:
– هل عثروا على الأميرة؟!
– نعم.
قال الحاجب:
– وقبضوا على خاطفها.
فصاح الملك بفزع:
– خاطفها؟!
وأصدر أمره بدون تردد:
– أدخلهم حالاً.

تقدم كبير الجند مع “زمردة” ناحية الملك، تاركاً أسامة عند الباب تحت أعين الحراس. وراح يقوم وينطق بعلامات التبجيل والإحترام في الوقت الذي انصبّ فيه اهتمام الملك على ابنته. “زمردة” التي لم ترفع عينيها عن الأرض خجلاً، وللسبب نفسه لم تتفوّه بحرف.
وبينما كانت عينا الوزير “رامي” تشعان كراهيةً وحزناً، كانت عينا الملك تنضجان بالإرتياح
والإطمئنان بالعثور على إبنته سالمة.
وروى كبير الجند كيف وصل إلى الأميرة:
– بحثنا في كل مكان، مررنا بكل الأسواق، أعلنّا عن اختفاء الأميرة “زمردة”، وعرضنا
رسماً لها على الناس علّهم رأوها، وبعد جهدٍ حثيث تمكنتُ من إيجادها، وأسرتُ الرجل
الذي كان يُخفيها.
– هذا غير صحيح.
قالت عبارتها الأولى منذ وصولها إلى هناك:
– “أسامة”.. أقصد.. الرجل الذي قبضتم عليه لم يكن يختطفني، ورفعت رأسها لتنظر في عيني والدها متابعة:
– بل كنت وبمحض إرادتي مختبئةً في منزله.
نهض الملك عن كرسيه بعدما سمع كلماتها، واقترب منها ببطء ثم وجه إليها صفعةً قويةً رمتها أرضاً متأوهة، وصاح بها غاضبا:ً
– يجب أن تخجلي حتى من الكلام!
وتابع كلامه، وهو يراها تتحسس بيدها مكان الصفعة وتبكي متألمة:
– إذهبي إلى غرفتكِ والزميها. سيكون لدي المزيد من الكلام معكِ. ثقي بأن ما فعلته لن يمر بدون عقاب.
ونهضت ودموعها في إزدياد، ثم انصرفت راكضةً نحو الباب. وهناك إلتقت ب “أسامة”
الذي راعه أن يراها على تلك الحال فسألها :
– آنستي.. ماذا حدث؟
– آسفة يا أسامة.
قالت غير عابئةٍ بالألقاب للمرة الثانية:
– أنا آسفة حقاً.. أرجوك سامحني.
وتابعت ركضها نحو غرفتها تاركةً أسامة في حيرةٍ من أمره. هربت من الملك والطبيب
ومن نفسها، وارتمت على سريرها، يذبحها الألم ويجرحها عجزها عن فعل أي شيء.
لقد حاولت بهربها أن تغيّر هذا الواقع المرّ الذي تعيشه، لكنها فشلت.
– مصيري..
قالت في نفسها:
– ومصير ذاك المسكين بيد الملك.
وأدركت حينها فداحة ما حصل..
لقد هربت وهي تحمل عبءَ نفسها، والآن تجد أمامها عبأين ثقيلين ملزمة بتحملهما ..
عبؤها وعبأ الطبيب أسامة، هذا الذي أقحمته في المشكلة دون أن يدري شيئاً عنها.
هي نفسها لم تكن تدرك مسبقاً أنه سيصبح جزءاً من واقعها.
– يا الله أرجوك..
قالت مبتهلة:
– هو لا ذنب له. لا تدعه يدفع ثمن أخطاءٍ لم يرتكبها.
وتحسّست مجدداً موضع صفعة والدها على خدها الأيسر، وهي تضيف :
– إن كان الظلم هو قدري، ونصيبي في الحياة أن أخضع له وأكون من ضحاياه، فلا تجعله قدر “أسامة”.. إنه إنسان طيب القلب.. إنه رجل شهم ونقي.. لا يستحق الظلم. أرجوك يا الله كُن في عونه.. و.. وعوني.

20

– لقد كان معها.
قال كبير الجند متهماً “أسامة”:
– قال أن المنزل منزله واعترض عملي.. فقبضتُ عليه.
– جيدٌ ما فعلته.
قال له الملك قبل أن يوجه كلامه ل “أسامة”:
– هل لديكَ ما تقوله دفاعاً عن نفسك؟
– أنا بريء يا مولاي.
ردَّ “أسامة”:
– لم أختطف الأميرة ولم أُخفيها، بل كنتُ أحميها وأساعدها في منزلي. لم أكن أعلم أنها ..
قاطعه الوزير “رامي” قائلاً:
– كاذب! إنه كاذب يا مولاي! أرى الكذبَ يُشعُّ من وجهه!
– وانا أظن ذلك.
قال كبير الجند:
– إعتراضه لعملي دليل ساطع على جريمته!
فقال “أسامة”:
– لكني لم أكن اعرف حتى أنها الأميرة.
– آه نعم!
قال الوزير:
– إدّعِ الجهل الآن.
وبدى الملك مقتنعاً بكلامهما منقاداً لتصديقهما، في الوقت الذي قال “أسامة” :
– تستطيعون سؤال الأميرة، ستخبركم ألا ذنب لي فيما حدث. أرجوكم أنا..
– أنتَ محتال.
تابع الوزير هجومه:
– تُخفي الأميرة في منزلك، وتريدنا أن نصدِّق أنك بريء؟
وتابع مخاطباً الملك:
– قد يكون أقنع الأميرة بالشهادة لصالحه لأنه ساعدها بالإختباء في منزله.
– لكني لم أكن أعلم!
قال بنبرةٍ يائسة:
– صدقوني.. الأميرة “زمردة” كانت تدَّعي فقدان الذاكرة.
فعلّق الوزير ساخراً:
– آه صحيح!
وقال كبير الجند:
– كان الواجب يقضي بأن تبلّغ أقرب مركز للعسس عنها.
فعاد الوزير يقول:
– هذا يبرهن كذبك وعدم صفاء نواياك!
والتفت ناحية الملك مضيفاً:
– مولاي! هل ستستمر في إهدار وقتك على سماع ترّهات هذا الرجل؟!
فأومأ الملك “غسّان” برأسه ونادى:
– يا سجّان!

21

كانت “زمردة” تقف في شرفة غرفتها، تتأمل حديقة القصر الغنّاء، وهي لا تنفك تفكر بما حدث وتحاول توقّع ما سيحدث. كانت قلقةً على مصيرها، خائفةً من أن يُرغمها والدها على الزواج بالأمير “نديم”، ولكن، في الحقيقة كان قلقها أعظم وأشدّ على ما سيحلّ بأسامة.
كانت واثقة من أن والدها لن يرحمه.
ولشدة خوفها لامت نفسها، وشعرت بالذنب لأنها تركته يواجه الملك وحيداً، واعتبرت أن دفاعها عنه كان ضئيلاً، فرفعت ثوبها الذي كانت قد بدلته، وسارعت بخفّةٍ نحو الباب وقد قررت لقاء والدها، وعرض ما جرى بينها وبين الطبيب عليه حتى يتبصّر براءته ويصفح عنه.
إندفعت بهمّةٍ وتصميم، دونما خوف من أن تنال من والدها ردّاً مماثلاً للصفعة المؤلمة، التي لم تزل آثارها عن خدّها بعد.
لكنها حين فتحت الباب إصطدمت بحارسين ضخمين يقفان عنده، فانزعجت وقالت :
– ما الذي تفعلانه هنا؟!
– عذراً يا سمو الأميرة.
قال أحدهما باحترام:
– لقد أمرنا الملك بمنعكِ من مغادرة غرفتكِ.
تقافز الغضب الذي لا يخلو من الحزن في عينيها، وأغلقت الباب بقوة بوجهيهما، ثم جلست
على مقعدٍ وثيرٍ والحيرة تعبث بتفكيرها.
وما زالت على تلك الحال حتى دخلت عليها إحدى خادمات القصر، حاملةً عدة أطباق من الطعام
الشهي وبناءً على رغبة الملك قدمته لها، فرفضته وألحّت على الخادمة بأن تعيده، وتخبر سيدها
بموقفها، وبأنها لم ولن تريده.
فهمَّت بالخروج والطعام بين يديها، لكنها ما إن سارت خطوتين للأمام حتى نادت عليها وسألتها:
– أين هي وصيفتي “نسرين”؟ لماذا لم أرها منذ وصولي؟!
فاستدارت نحوها وأجابتها:
– الوصيفة في السجن.
– ماذا؟!
صاحت بدهشة:
– ما الذي أوصلها إلى هناك؟!
– الملك، بعد مغادرتكِ القصر، أمر بذلك.
لكن “زمردة” لم تمكث بدون حراك طويلاً، إذ نهضت مسرعة، وأمرت أحد الحارسين أن يُخطر
الملك بضرورة مقابلتها.

يتبع..


» مصنف في قصص

التعليقات

إضافة تعليق