زمردة ـ الحلقة الثامنة
50
إستلقى الملك “غسّان” في سريره بعد يوم عمل مضنٍ، فتنفس الصعداء وهو يفكر بكل ما أنجزه اليوم في سبيل الدفاع عن مملكته، ورغم كل ما فعله ما زال يشعر بالخطر وبالضعف ويدرك أنّ “درب القمر” ليست من القوة بمنزلة “الفهود” لكنه يعلم أيضاً أنه وشعبه على حق، وأنّ هذا الحق مهما كان ضعيفاً لا يمكن أن يضيع.
وأغمض عينيه وهو يبتهل بالدعاء قائلاً: اللهم كن في عوننا.
وبصعوبة بالغة تمكن من النوم قبل الفجر بقليل، ولم ينم طويلاً إذ لم تمضي سوى سويعات حتى إستيقظ على صوت “فراس” الذي اقتحم غرفته وهو يصيح: مولاي! مولاي! إستيقظ أرجوك! إنهض لترَ الكارثة التي حلّت بنا!
وانتفض في سريره جزعاً، وهو يقول: ماذا حصل يا “فراس”؟! تكلم!!
– كارثة يا مولاي!
صاح بهلع: كارثة حلّت بنا جميعاً.
تضاعف إضطرابه ونهض من سريره قائلاً: “فراس”! ماذا جرى؟! تكلّم!!
فأجابه وعيناه تنطقان بالذهول: جنود العدو دخلو المملكة فجراً! لقد هاجموا الجبهة الجنوبية وفتكوا بالفيلق الثالث!
فصرخ الملك بذعر: آه! يا إلهي! هذا لا يمكن!!
وتابع “فراس” نبأه المؤسف: لقد استباحو ا المنطقة الجنوبية من البلاد وهم يتجهون نحونا!
– لا! هذا مستحيل!!
قال الملك: يجب أن نتحرك فوراً، إن دخل جند الملك “خليل” المنطقة الوسطى فهذا يعني أنّ المملكة بأسرها قد سقطت!
51
– لا!
صرخت “زمردة” صرخة مفجوعة ودموعها تنمهر بغزارة على وجهها:
– لا! هذا غير صحيح! لا “نسرين”!
أمسكت يديها وهي تقول مواسية: أرجوكِ آنستي إهدئي.. وحاولي تقبّل الأمر..
– أتقبل الأمر؟! أتقبل الأمر؟!
صاحت بتألم: لكن كيف؟! وأتقبل ماذا؟!
هطلت دموع الوصيفة وهي تقول: لقد رحلا مع باقي الحنود ماتا دفاعاً عن أرض الوطن..
– لا! لا! لا!
هتفت بغير تصديق:
– ”أسامة”.. حبيبي.. لا يمكن أن يتركني.. لا يمكن أن يتركني ويرحل وحده.. لقد وعدني.. وعدني بأن يعود إليّ منتصراً.. وعدني بأن نلتقي مجدداً.. “أسامة” لا يمكن أن يحنث بوعده.. لا يمكن.. لا يمكن..
ونهضت عن سريرها وقد شلّ عقلها عن التفكير، وهي تنادي محبوبها الغالي:
– ”أسامة”! “أسامة” أنا قادمة!
واتجهت نحو الشرفة مسرعة وهمّت بأن تلقي نفسها منها، إلا أنّ “نسرين” قبضت عليها بقوة ورمتها بعيداً عن الشرفة بحركة سريعة وهي تقول: آنستي ماذا ستفعلين؟ أرجوكِ! هذا جنون!
وارتمت الأميرة فوق سريرها ودفنت رأسها في الوسادة وهي تجهش باكية بشدّة وتنادي:
– ”أسامة”! “أسامة”! “أسامة”!
وعادت “نسرين” لمواساتها، فراحت تداعب رأسها وتقول بلطف: آنستي كوني شجاعة وقوية.. إنه القضاء والقدر وعلينا القبول به..
– أنا أحبه.. أعشقه..
قالت وعيناها غارقتان في الدمع: لا يمكنني أن أعيش بدونه.. أنا .. أنا..
ولم تقدر على متابعة كلامها لأنها فقدت اتزانها وغابت عن الوعي.
52
وأمر الملك بحشد العدد الأكبر من القوى لحماية المنطقة الوسطى التي يقع فيها قصره ومركز حكم المملكة، كما إستنفر جميع حرّاس القصر وأفراد حمايته.
واشتدّ قلقه وهلعه بعدما علم بمُصاب ابنته، وأخبره الطبيب الملكي أنها تعاني من صدمة عصبية قوية وأن علاجها هو الهدوء والراحة.
فعاد الملك إلى قاعته بعدما أوصى “نسرين” الإعتناء بابنته، وجلس على كرسيه والهمّ يعصر قلبه والحزن يتلاعب به. فبلاده تتعرض للغزو، وقصره قد يسقط بأيدي الأعداء بين لحظة وأخري، وابنته العزيزة يصيبها السقم فتقع صريعة الألم.
الألم.. نعم.. هذا هو.. إمبراطور الحروب.
ومكث في مكانه ونفسه تحدثه بشرّ قادم وتنبئه بكارثة لا يعلم مداها إلا الله.
53
وفي مملكة “الفهود”، تراقصت أجساد الجاريات أمام الملك وابنه والوزير “رامي” وأنشدت إحداهن تقول: إشرب الكأس واسقيني.. نبتهج بالفرحة والنصر.. إشرب هيا واعطيني.. لنتوج أفراح العمر.
– أنا سعيد جداً.
قال الملك “خليل” ضاحكاً وهو يشرب بعض ما في الكوب: طعم النصر لذيذ للغاية.
– أخبرتك يا مولاي أنك ستتمكن من إحتلال المملكة في يوم واحد.
قال الوزير وهو يمسح فمه من بعض الشراب العالق بشفتيه: وهذا ما حدث.
– أنت مخطىء.
قال “نديم” بانزعاج : هذا لم يحدث بعد فنحن لم نُحكم السيطرة إلا على المنطقة الجنوبية.
وافقه والده بقوله: هذا صحيح. ما زال أمامنا المنطقتان الوسطى والشمالية.
فقال الوزير وهو يملأ كأسه من جديد: المنطقة الوسطى محاصرة وستسقط عاجلاً أو آجلاً،فإذا ما سقطت فإن دخول المنطقة الشمالية يصبح من أبسط الأمور.
فعلّق الملك مبتسماً: آه يا “رامي” أنتَ داهية.
فشكره وقال: وعندما تقع المملكة بأسرها بين يدي جلالتك ستقوم بتنصيبي ملكاً عليها كما وعدتني.
فألقى الملك نظرة على ابنه الذي بدى منزعجاً ثم قال ل”رامي”: بلا شك.
ولزم الصمت مكتفياً باحتساء الشراب ومتابعة عرض الجاريات.
54
– ”أسامة”! “أسامة”! “أسامة”!
كانت “زمردة” تتمتم وهي نائمة: “أسامة”..
وجلست الوصيفة بجانبها ولفّتها بذراعها ثم راحت تمسح رأسها بحنان وهي تقول: مسكينة أنتِ يا آنستي.
وتضيف: أنا أشعر بألمكِ لأني أعاني جزءاً منه.
وتتابع: ليكن الله في عون كلينا.
ومسحت دموع “زمردة” التي ذرفتها قبل نومها ولم تكن قد جفت بعد ثم مسحت دمعة سالت على خدّها.
ومرّت بضعة أيام وجنود العدو يحاصرون المنطقة الوسطى وحاميتها تستبسل في الدفاع عنها.
– إنهم عنيدون جداً.
قال الملك “خليل” محدّثاً إبنه: لم أكن أعتقد أنهم سيصمدون أمام حصارنا كل هذه المدة!
– أرجوك يا والدي يكفينا ما انتظرناه.
قال نديم بنفاد صبر: دعنا نحرّك قسماً من الجند لمهاجمة الجبهة الشرقية.
وأضاف محاولاً إقناعه بفكرته: لن يتمكن العدو من صدّ هجومين في وقتٍ واحد.. على الأقل ليس مع هذا العدد القليل من الجند.
– نعم يا بني.
قال الملك: أظن أنّ الأوان قد حان لكي ننفّذ إقتراحك.
55
إقتربت “نسرين من الأميرة التي كانت تجلس في البستان وتتأمل ما حولها من جمال، وخاطبتها قائلة: أميرتي.. منذ أيام وأنتِ تصرّين على إمضاء نهاركِ هنا.. تجلسين هكذا، وتلزمين الصمت وتكتفين بمشاهدة المكان. ألن تفعلي شيئاً أو تقولي أي كلمة؟
– أنا مرتاحة هكذا.
قالت بهدوء: وليس لديّ ما أقوم أو أنطق به.
وأضافت بأسى: كل شيء إنتهى بوفاة “أسامة”.. لم يعد هناك ما يستحق..
– آه لا تقولي هذا!
قالت بلطف: الأحباء يرحلون وهذا أمر مؤلم للغاية لكن الحياة تستمر.
– أي حياة هي هذه بدون “أسامة”؟
قالت ودموعها تترقرق في عينيها: أنا أحبه ولا يمكنني أن أحيا بدونه.
وبكت بتألّم بالغ وهي تتمتم: إني أعاني.. إني أتمزّق..
ولم تكن الأميرة هي الوحيدة التي تتعذب فوالده الذي كان يراقبها من شرفته كان يتعذب وهو يراها على هذه الحال، وكان وزيره يقف برفقته ويحاول التخفيف عنه بقوله: دوام الحال من المحال يا مولاي.. لا بد من أن تشفى الأميرة من كل آلامها وستنسى وفاة من تحبه قريباً..الأمر يحتاج فقط لقليل من الصبر.. الوقت سيتكفل بكل شيء.
– فلنأمل هذا.
قال الملك: الحقيقة أني لم أكن أعرف أنها تحب الطبيب بهذا المقدار! أشعر بالحزن حين أرى حبها الطاهر هذا يضيع منها!
– ما باليد حيلة يا مولاي.. هو الموت الذي يحكمنا ولا نحكمه.
أومأ برأسه موافقاً قبل أن يسأله: لكن هل أنت واثق من أنّ جميع أفراد الفيلق الثالث قد قُتلوا؟
– للأسف نعم.
أجابه “فراس”: المعلومات كانت مؤكّدة، لقد قتل جنود العدوّ الجميع.
– اللعنة على هذا العدو!
قال بغضب: إنه قويّ ومصرّ على احتلال المملكة بأسرها أما نحن.. نحن نزداد ضعفا ًيوماً بعد يوم.
وتنهد ثم أضاف: أتساءل ماذل يمكننا أن نفعل بعد؟
ولم يجد هو أو وزيره جواباً على سؤاله.
56
وعند فجر اليوم التالي هاجمت جيوش العدو الحبهة الغربية للمملكة وحاولت القوات التي تقف عند حدود المنطقة الوسطى اقتحامها ودخولها، فدافع جنود المملكة عنها دفاعاً مستميتاً فسقط معظمهم بين قتيل وجريح، وتمكن العدو من غزو “درب القمر” بعد قتالٍ ضاري.
وكان الملك خليل قد رافق جنده في هجومهم الشامل ومعه إبنه وعدداً من القادة، فدخلوا جميعاً قصر الملك غسّان ليرَو الرجل المهزوم يجلس على كرسيه والوجوم يخيّم على معالم وجهه، وكان هو البادىء بالكلام حينما قال: لقد وصلتَ إذن وتمكنتَ من هزيمتنا.
– قلتها لكَ منذ أيام.. سأهزمك.
قال الملك “خليل” بغرور: وسأجلس مكانك.
وأضاف هازئاً: لقد وعدتك وأنا لست كغيري أحنث بالوعود.
فنهض الملك “غسّان” عن كرسيه وهو يقول: أنا أهنؤك.
ويضيف: هاك مكاني.
فابتسم “خليل”، وظنّ أن “غسان” قد استسلم لقدره وقرر الخضوع لسلطانه.
فسار نحوه ودنا منه قائلاً بنبرة لا تخلُ من السخرية: شكراً لك يا سيادة الملك.
فاستلّ الملك “غسّان” سيفه بسرعة بسرعة وغرزه في أحشاء “خليل” وهو يقول: لا شكر على واجب.
وصرخ “خليل” متأوهاً وترافق صوته مع صيحات قومه الذين يرافقونه ومن بينهم إبنه الذي هرع إلى وإليه وتلقفه بذراعيه وهو ينادي:أبي!
وسالت دموعه وهو يرى والده يلفظ أنفاسه الأخيرة، وامتزجت هذه الدموع بدماء أبيه.
في الحين الذي قبض الرجال على الملك “غسان” ونزعوا منه سلاحه، لكنه لم يتأثر بهم بل علت الإبتسامة وجهه وتمتم قائلاً: هذا هو جزاء من دمّر مملكتي!
ودخلت “زمردة” ووصيفتها لتفاجآان بهذا المشهد، فتقول الأميرة بدهشة: لكن ما الذي يحصل هنا؟!
واقتربت من والدها تسأله: أبي! هل أنتَ بخير؟
وقبل أن يجيبها علا صياح “نديم” وصراخه وهو يحتضن والده بشدّة بعدما أدركه الموت.
لكنه لم يمكث طويلاً على هذه الحال، إذ ما لبث أن نهض وهو يمسح دموعه ويخاطب الملك وابنته بحقد بالغ قائلاً: ستدفعان الثمن..
ووقف أمام الملك “غسّان” ثم قال له: لن أقتلكَ كما فعلت بوالدي.. لن أدعكَ ترحل بسهولة.. سأجعلكَ تتمنى الموت بنفسك وسأحيل حياتك إلى جحيم.. وابنتك..
أضاف وهو يلتفت نحوها ويرمقها بنظرات مستذئبة: إبنتكَ ستكون عبدةً لي وستتزوجني شاءت أم أبت!
57
ووضعت الحرب رحاها، إنتهت المعارك ليظهر من خلف غبارها مدى الدمار الذي لحق بمملكة “درب القمر”. وعدد الجرحى والموتى الذين كانوا ضحاياها.
عانى الناس من نقصٍ في الأغذية والثمار ومن انتشار الأمراض والأوبئة وفاحت رائحة الموت في كل مكان.
وأعلن الأمير “نديم” تنصيب نفسه ملكاً خلفاً لوالده وذلك على مملكتي “الفهود” و”درب القمر”. كما أصدر أمراً ملكياً باعتبار “درب القمر” أرضاً تابعة بشكل مباشر لمملكة “الفهود” وجزءاً لا يتجزأ منها.
وقام بتعيين أحد قادة الجند المقرّبين من والده الراحل حاكماً عليها، يُسيِّر أمورها ويهتم بها ويطبق سياسة الملك فيها.
وعاد “نديم” إلى مملكته ليُقيم فيها، مصطحباً “زمردة” ووالدها “ونسرين”.
فغادرت “زمردة” بلادها التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها، البلاد التي أحبّت فيها للمرة الأولى وفقدت فيها ولأجلها حبها الوحيد هذا.
إنطلقت العربة بها نحو بلاد جديدة لا تعرفها، وابتعدت مرغمة عن وطنها والدمعة تلقي السلام الأخير.
58
عندما وصلت عربة الملك “نديم” إلى قصره كان أول مستقبليها والدته المتشحة بالسواد والتي هرعت مسرعة نحوه وهي تناديه.
وما كاد يخرج من عربته حتى انقضّت عليه بالعناق والقبلات والأسئلة: كيف حالك؟ وصحتك؟ هل أنت بخير؟ هل أصابك مكروه؟…
فطمأنها على نفسه، واختصر لها رحلته بعبارات قليلة، كما أبدى أسفه وحزنه لمصاب والده.. وبدى متأثراً جداً بموته على عكس والدته التي راحت تخفف عنه قائلة: إنه قدره ومصيره.. لم يكن بإمكانكَ أن تفعل شيئاً لإنقاذه.
ورأت “زمردة” ووالدها واتلوصيفة يترجلون من عربتهم والحرس يحيط بهم فسألت ابنها بدهشة: ومن هؤلاء؟!
فاقترب بها منهم وهو يجيبها: هذه “زمردة” زوجتي المستقبلية أي كنّتك.
فابتسمت الملكة وعانقت “زمردة” التي تفاجأت بتصرفها وهي تقول: آه بني!! إنها جميلة جداً.. لقد عرفتَ كيف تختار.
ولم تجد “زمردة” ما تقوله، فلزمت الصمت مما دفع الملك لتقول: آه.. إنها خجولة ايضاً!!
فعلّق ابنها بخبث: أنتِ لم تعرفيها بعد.
وقبل أن تنطق والدته بأيّ كلمة تعقيباً على كلامه، سارع بتعريفها على البقية بقوله: هذه “نسرين” خادكتها.
فرمقتها الوالدة بنظرة لا تخلُ من الطيبة وقالت لها: أنتِ جميلة أيضاً.
فردّت الوصيفة بصوت ضعيف: شكراً لكِ.
– وهذا..
قال “نديم” وهو يرمق الملك “غسان” بنظرات مشحونة بالحقد والغضب: والد “زمردة”ز
فحيّته باحترام وقالت: تشرّفت.
لكنه لم يرد تحيتها، فاستغربت هذا الأمر لكنها غضّت الطرف عنه وسألت إبنها: وهل سيقيمون معنا في القصر؟
– ليس جميعهم.
قال لها: “زمردة” والخادة ستمكثان في إحدى حجرات القصر أما السيد فسيقيم في مكان خاص ومميّز جهّزته له خصيصاً.
وفهم الكل معنى كلامه، باسثناء الملكة التي صاحت بسرور: آه هذا رائع. لقد أسعدتني حقاً اليوم يا “نديم”.
– والآن أمي دعينا نذعب معاً.
قال لها وهو يهمُّ بإبعادها عن أسراه: أنا مشتاق لكِ ولحديثك الممتع..
لكنها اعترضت على تصرفه قائلة: لكن “نديم”.. لن نترك الضيوف وحدهم هنا.
– بلى أمي سنفعل.
ردّ مبتسماً: لا شك أنهم يريدون أن يستريحوا من عناء السفر.
فقالت بإصرار: إذن دعنا نصحبهم إلى غرفهم.
– لا حاجة لذلك أمي.
ردّ من جديد: لدى الحراس تعليمات واضحة بكيفية استقبالهم ومعاملتهم.
– حسناً، في هذه الحال أستأذنكم.
قالت بتهذيب: اتمنى لكم الراحة التامة في قصرنا. وسررتُ بلقائكم.
وغادرتهم مع ابنها وهي تسأله: أخبرني كيف تعرفتما على بعضكما وكيف أحببتها؟!
فيردّ متهرباً من الإجابة: إنها قصة طويلة ومعقدة، سأخبركِ بها فيما بعد.. قولي لي الآن ماذا جهزتِ لي من طعام؟ مذا كانت أوامركِ للخدم؟
– إنها أكثر ما تحبه من الطعام.. إحزر..
ودخلا معاً القصر، تاركين “زمردة” تودع والدها بعينين باكيتين وصوت خنقهُ الألم يقول:
– إحتفظ بكبريائك يا أبتي، لقد هُزمنا وهذا صحيح، لكننا هُزمنا بشرف.
59
فتح السجان باب السجن المظلم ورمى الملك “غسان” بداخله ثم أحكم إقفاله وهو يقول هازئاً: أهلاً بكَ في قصركَ الجديد.
فارتمى الملك على أرض السجن الباردة كجرذ حقير لا حول له ولا قوة. تطلّع حوله عساه يجد وسط هذا الجحيم المظلم أي بصيص أمل لكن دون جدوى. وكل ما خظي به هو رائحة كريهة أنفه مرغم على تنشقها وبرودة شديدة جسده ملزم بتحملها. وفوق كل هذا كان تفكيره منشغلاً بمصير ابنته وما يمكن أن يُلحقه بها “نديم” من أذى..
كان قلقاً، خائفاً، حائراً، متعباً..
نعم .. إنه يشعر أنه متعب بكامل أعضائه وحتى بروحه..
تنهّد.. وتنهد..
إنه يحتاج للراحة.. لكن كيف السبيل إليها؟..
أسند ظهره إلى جدارٍ اهتدى إليه بصعوبة ثم راح يتأمل حاله أين كان وأين أصبح..
من ملك ذو سلطة وجاه وخدم، إلى سجين وضيع حقبر، ومن قصر شاسع يعجّ بالفخامة، إلى سجنٍ ضيّق لا يزيد على بضعة أمتار لا يعج إلا بالحشرات والفئران.
وأنصت جيداً علّه يسمع صوتها فتؤنس وحدته.. آه.. أرجوكِ أيتها الفئران تكلمي.. أصدري أي صوت.. قومي بأي حركة.. عساه يشعر بوجود كائن معه يشاركه وحشته.. لكنه لم يسمع شيئاً.. حتى الفئران هجرت هذا المكان.
وشعر بضيقٍ شديد في صدره، وبأنّ وجوده هنا يخنقه، فنهض ليبحث عن أي فتحة في الحائط تطل على الخارج لكنه ما كاد يفعل حتى تفاجأ بصوتٍ يخاطبه: ليس سجناً جيداً. أليس كذلك؟
وتنبهت أذنه من فورها إلى أن هذا الصوت ليس جديداً عليها، فصاح قائلاً:
– من هنا؟!
فأجابه صوت هازىء: ومن سيكون سوى سجين مثلك.
وتأكد ظنه، إنه يعرف هذه النبرة في الكلام جيداً.
وبحث في جيوبه لعله يجد عود ثقاب واحد ينير له المكان ليلمح فقط وجه محدّثه.
هذا الأخير الذي أزعجه صمته فقال: ما بك؟ ألا تريد الكلام؟ لا تقل لي أنك من محبي الصمت!
ولحسن حظه وقع على ضالته، فسارع بإشعال العود وهو يقول: ليس الأمر كما تظن، أريد فقط أن أتأكد من أمر و..
ولم يتم عبارته لأنه فوجىء بصدق ظنونه، فصاح بذهول: “رامي”؟!
ونهض مذهولاً بدوره وهو يقول بعدما لمح وجه محدّثه: جلالة الملك ؟!! لا أصدق!
وعندما تأكد الملك من أن مرافق سجنه هو نفسه وزيره السابق، قبض على عنقه وجذبه نحوه قائلاً: أيها الخائن ! كم أتوق إلى قتلك!
لكن الوزير تخلّص من قبضة سيده وهو يقول بوقاحة: صدقني ليس كل ما تتمناه يتحقق!
وأضاف: طوال سنين كنت أتمنى موتك وزوال حكمك لأجلس مكانك لكن أنظر الآن.. ها أنذا.
– كنتُ أتوقّع رؤيتك في هذه المملكة، لكن ليس هنا.
قال الملك: لكنكَ تستحق هذا. إنها خاتمة كل خائن لبلاده.
– آه حقاً؟!
قال هازئاً: أما أنا فلم أكن أتوقع رؤيتكَ أبداً! فما بالك قد أصبحتَ جاري في السجن؟ أتُراك سرت على خُطاي؟
– إخرس!
صاح بغضب: أفضل الموت على أن أخون وطني.
– لم تخنه إذن…
قال بنبرته الغليظة تلك: ما الذي جاء بك إلى هنا؟!
فردّ بنبرة متألمة: لقد خسرنا المعركة! وانتصر الغازون.
فصاح “رامي” غاضباً: اللعنة! إذن إنتصر الملك “خليل” وابنه.. آه! كم كنتُ غبياً! كم كنتُ غبياً! كان يجب أن أطلب منهما ضماناً لتحقيق ما وعداني به.. لكني كنتُ أحمقاً.. إكتفيت بالوعود.. وها أنا أدفع الثمن.. آه يا إلهي! كان يجب أن أكون على عرش “درب القمر” الآن!!
– إذن وعداك بأن تحلّ مكاني؟!
سأله بنفور: وماذا أعطيتهم في المقابل؟!
ولم يجبه، فدفعه بكلتي يديه وهو يصيح به: أيها الخائن القذر، لقد ساعدت الأعداء على اغتصاب أرض وطنك!
وأضاف ساخراً: تمتع الآن بالجزاء الذي نلته! تمتع بما تستحقه!
– لا، أنا لا أستحق هذا.
قال بعناد: لقد فعلت المستحيل للوصول إلى السلطة لكن الملك “خليل” خدعني! بعد أن حصل على كل ما يساعده من معلومات وأسرار رماني في هذا المكان القذر وطرد عائلتي من القصر.. آه.. لا شك أنهم يعانون الأمرين الآن. وكل هذا بسببه.
– إن كنتَ حاقداً عليه وترغب في الإنتقام منه فلا تزعج نفسك.
قال الملك “غسان”: لقد قمتُ بهذا الأمر عنك.
وأضاف: لقد قتلتُ الملك “خليل”.
وسأله “رامي” بغير تصديق: ماذا؟! قتلته؟!
60
جلست “زمردة” مع وصيفتها في الغرفة الجميلة التي خصصها “نديم” للأميرة، وهي تبثّ همّها وحزنها ل”نسرين” وتمسح دموعها التي لم تكف عن الهطول مذ ودّعت والدها.
لقد فقدت اليوم آخر ما يعنيها في هذه الدنيا.
بعد حبيبها الوحيد، ووطنها الحبيب، خطف القدر منها اليوم والدها العزيز.
فماذا بقيَ لها؟
– أنا.
قالت “نسرين”: سأبقى دوماً بجانبك.
فابتسمت بامتنان، وربتت على كتفها، ثم استلقت على السرير وغرقت في سباتٍ عميق حتى اليوم التالي.
ولما استيقظت لم تدرِ كم الساعة، ونظرت حولها فوجدت وصيفتها نائمة على المقعد بجوارها، ثم سمعت صوت جلبة خلف الباب، فنهضت وفتحته فوجدت الملكة تتشاجر مع الحارس وتصيح به:
– أوامر الملك لا تطبق عليّ فأنا والدته، سأدخل ولو بالقوة! لإبتعد عن طريقي.
واضطر الحارس للتراجع أمام إصرار الملكة، فدخلت الغرفة وسلّمت على “زمردة” فقابلتها بابتسامة لطيفة.
وجلست على كرسي هناك وهي تقول: لكن لماذا يأمر إبني بحراسة غرفتك ويمنعك من مقابلة الناس؟ هذا التصرّف لا يعجبني!
واستيقظت “نسرين” على صوتها، وتفاجأن بوجودها معهما في الغرفة لكنها رغم هذا حيّتها باحترام وانكفأت جانباً فحديث الأسياد لا يعني الخدم بشيء. لم تشارك في الحديث، لكنها كانت منصتة تماماً لكل كلمة تدور.
– إذن حدثيني عنكِ وعن لقائك بابني..
قالت الملكة: كيف تعارفتما؟!
فتفاجأت “زمردة” بطلبها وسألتها: لكن.. ألم.. ألم يخبرك إبنكِ بذلك؟ ألم يقل لكِ من أكون ومن أين أتيت؟
– لا لم يفعل.
قالت لها: لذلك قررتُ أن أأتي إليك لنتبادل هذا الحديث معاً. ما رأيكِ؟
– أنا موافقة.
قالت بعد تردد: إسمي “زمردة” كما أخبركِ ولدكِ تماماً، لكن ما لم يُخبركِ به هو أني أميرة مملكة “درب القمر” ووالدي هو ملكها.
فقطبت الملكة حاجبيها وبدت مدهوشة بما سمعته لكنها لم تقل شيئاً، فتابعت “زمردة” سرد الحقيقة: لسنا ضيوفاً هنا كما تظنين.. أنا و”نسرين” وأبي أسرى في هذه المملكة.. أتى بنا ابنكِ إلى هنا لينفذ فينا انتقامه.. الزواج بي عقاباً على رفضي الدائم له، والسجن لأبي عقاباً على.. عقاباً على قتله الملك “خليل”.
فنهضت الملكة وقالت مستغربة: والدك قتل زوجي؟!
فأومأت برأسها وقالت: أستغرب أن لا يخبركِ ابنك بهذا الأمر!
ودافعت الإبنة عن والدها بقولها: لقد كان تصرفاً بطولياً. كان والدي يدافع عن مملكته ضد المعتدين دون أن يبالي بأي عقاب قد يلحق به من جرّاء فِعلته.
وأضافت بصوت مرتجف: الآن يتِّ تعرفين لماذا يضع ابنكِ حرّاساً على غرفتي ولماذا يمنعنا عن الناس جميعاً.
وارتمت على سريرها وهي تعجز عن خنق دموعها في عينيها، واستعدت لتلقّي الإساءات من الملكة لكن هذه الأخيرة نهضت باتجاهها ومدت يدها نحوها ثم مسحت دموعها بنعومة ولطف وهي تقول بحنان: لا تبكِ.